دراسة : هل أصبح البشر كائنات مفترسة؟

دراسة : هل أصبح البشر كائنات مفترسة؟

 13/12/2021

هل ما زال البشر يتصدرون قمة السلسلة الغذائية كما كنا نعتقد؟
حتى لو كنا في يوم من الأيام حيوانات مفترسة ذات وجبات مثقلة باللحوم، فإن هذا لا يعني أن البشر المعاصرين يجب أن يصعدوا إلى أعلى السلّم الغذائي.

تشترك الأسود والذئاب الرمادية وأسماك القرش البيضاء الكبيرة في كونها أفضل الحيوانات المفترسة، فوجباتها الغذائية تتكون بالكامل تقريبا من اللحوم، وباستثناء حالات نادرة، ليس لهذه الحيوانات مفترسات طبيعية إلا البشر. لذا، إذا كنا مفترسين لأهم الحيوانات المفترسة، فهل هذا يعني أن البشر يحتلون قمة السلسلة الغذائية؟

وفقا لمقال على موقع "لايف ساينس" (livescience)، تعتمد الإجابة على كيفية تعريفك لـ"المفترس"، أي إذا كنت تقتل لتأكل أو تقتل الحيوانات لأسباب أخرى، وكذلك إذا كنت تتحدث عن البشر في عصور ما قبل التاريخ أو في العصر الحديث.

يقول سيلفان بونهوميو، عالم البيئة البحرية في معهد البحوث البحرية بفرنسا (IFREMER)، إنه وفقا لعلم البيئة، أو دراسة كيفية ارتباط الكائنات الحية ببعضها وببيئاتها، فإن مكاننا في السلسلة الغذائية لا يعتمد على ما يأكلنا أو ما لا يأكلنا، أو على ما نقتل، فبدلا من ذلك، يعتمد كليا على ما نأكله. وبناء على هذا التعريف، فإن الإجابة هي: لا، البشر ليسوا من الحيوانات المفترسة، لأننا لا نأكل كل شيء نقتله.

موقع البشر في السلسلة الغذائية
بدأ بونهوميو وزملاؤه في معهد البحوث البحرية تحديد موقع الإنسان في السلسلة الغذائية، المعروف أيضا باسم "المستوى الغذائي". حيث يسجل العلماء عادة المستويات الغذائية على مقياس من 1 إلى 5.

تحتل النباتات التي تحصل على الطاقة باستخدام ضوء الشمس المستوى الأول في هذه السلسلة، وتأتي الحيوانات العاشبة في المستوى الثاني. وفي الوقت نفسه، فإن الأنواع في المستوى الثالث تأكل الحيوانات العاشبة، والأنواع في المستوى الرابع تأكل آكلات اللحوم من المستوى الثالث فقط، وهكذا دواليك.

أما الأنواع التي تحصل على طعامها من مستويات غذائية متعددة، مثل الحيوانات الآكلة اللحوم والنباتات، فتصنف من خلال متوسط المستوى الغذائي لما تأكله، على سبيل المثال، الحيوان الذي يأكل 50% من النباتات بالضبط و50% من العواشب سيكون من النوع "2.5-"، أي آكل النبات والحيوان "2.5-".

وعند تطبيق ذلك على البشر، قام علماء معهد البحوث البحرية بتعيين مستوى غذائي لكل طعام نأكله، باستخدام بيانات من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عن استهلاك الغذاء البشري في جميع أنحاء العالم، ووجدوا أن البشر يحصلون، في المتوسط، على 80% من السعرات الحرارية اليومية من النباتات و20% من اللحوم والأسماك.

وذلك وفقا لنتائج الدراسة التي أجراها الفريق عام 2013، ونُشرت في دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences). هذا يضعنا عند مستوى غذائي متوسط يبلغ 2.21، في مكان بين الأنشوجة والخنازير.

وعلى الرغم من ذلك فإن المستويات الغذائية للبشر تختلف في جميع أنحاء العالم. في بوروندي، على سبيل المثال، شكلت النباتات 96.7% من النظام الغذائي المحلي في عام 2009، وذلك أعطى الناس الموجودين في ذلك البلد مستوى غذائيا قدره 2.04. وفي الوقت نفسه، كان مستوى التغذية في آيسلندا 2.57، حيث كان النظام الغذائي يتكون من نحو 50% من اللحوم في العام نفسه.

البشر مفترسون خارقون
ونظرا لما يشكله البشر من تهديد أكبر بكثير من الحيوانات الأخرى، فإن بعض العلماء يجادلون بأن ضغط البشر على الأنواع الأخرى يجعلهم "مفترسين خارقين"، وهو مصطلح صيغ ليشير إلى المعدل الذي يقتل به البشر الأنواع الأخرى.

في دراسة نشرت عام 2015 في دورية "ساينس" (Science)، قارن العلماء في جامعة فيكتوريا (University of Victoria) بكندا بين نشاط صيّادي الحيوانات والأسماك من البشر، ونشاط الحيوانات المفترسة البرية والبحرية الأخرى. ووجدوا أن البشر يقتلون الفريسة البالغة بمعدلات تبلغ 14 مرة أعلى من الحيوانات المفترسة الأخرى.

ويقول بونهوميو "إذا أخذنا في الحسبان مدى اتساع تأثيرنا على الحياة البرية، فهو ضخم". ومع ذلك، لا يتفق بونهوميو مع التقييم القائل إن البشر حيوانات مفترسة خارقة، لأنه وفقا لعلم البيئة فإن للمفترس تعريفا محددا، هو أنه يأكل ما يقتل، لذا لا ينبغي الخلط بين القتل لمجرد القتل والقتل من أجل ابتلاع الطعام.

المستهلك الفائق
أما الجزء الأكبر من البشر فهم لا يقتلون الحيوانات البرية ليأكلوها. على سبيل المثال، الأسباب الرئيسة لانخفاض أعداد الأسود هي فقدان الموائل والاشتباكات مع البشر الذين لا يريدون أن تهددهم الأسود أو تهدد ماشيتهم.

وفي الوقت نفسه، فإن الأشخاص الذين يصطادون في المحيطات يرمون ما بين 10% و20% من إجمالي ما يصطادونه ويعدّونه صيدا عرضيا، وفقا لدراسة أجريت عام 2017 في دورية "فيش آند فيشاريز" (Fish and Fisheries). وغالبا ما تتعرض هذه الحيوانات التي تُصطاد عن غير قصد لإصابات أو تموت، وفقا لما نشر على موقع الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي "نوا" (NOAA).

وقد كتب بونهوميو وزملاؤه أن "المفترس يبتلع ما يقتله"، ومن ثم فإنهم يقترحون مصطلح "المستهلك الفائق" للإنسان بدلا من المفترس الخارق.

الإنسان المفترس تاريخيا
على مرّ التاريخ، ربما كان هناك قدر أقل من التناقض بين ما يأكله الإنسان والكم الذي يقتله. وقد راجع بن دور وزملاؤه في الدراسة التي نُشرت في عام 2021 في "المجلة الأميركية للأنثروبولوجيا البيولوجية" (American Journal of Biological Anthropology) الدراسات في علم وظائف الأعضاء البشرية وعلم الوراثة وعلم الآثار وعلم الحفريات لإعادة بناء المستويات الغذائية لأسلافنا في العصر الجليدي أو العصر البليستوسيني (2.6 مليون إلى 11 ألفا و700 سنة).

وخلصوا إلى أن البشر من المحتمل أن يكونوا في قمة الحيوانات المفترسة الذين أكلوا اللحوم في الغالب على مدار مليوني عام، حتى ما قبل 12 ألف عام، عندما انتهى العصر الجليدي الأخير.

وقد جادلت الدراسة بأن البشر لديهم أوجه تشابه فسيولوجية مع آكلات اللحوم أكثر من العواشب، مثل المعدة الشديدة الحموضة لتفكيك البروتينات المعقدة وقتل البكتيريا الضارة، ودهون الجسم العالية القادرة على تحمل آكلات اللحوم في فترة من الصيام قبل القتل من جديد.

ويشير العلماء أيضا إلى أن تحليل نظائر النتروجين المختلفة في البقايا البشرية القديمة، التي تميل نسبتها إلى الزيادة مع اتباع نظام غذائي كثيف اللحوم، يكشف باستمرار عن نسب عالية من النتروجين مقارنة بنسب نظائر النتروجين في أظفار وشعر الأشخاص الذين يتبعون نظاما غذائيا نباتيا في المقام الأول. وهذا التحليل، في جوهره، هو دليل آخر على أن البشر القدامى أكلوا أطنانا من اللحوم.

وذكر بن دور وزملاؤه في مراجعتهم أن بعض التغييرات ربما تسببت في نزول البشر في السلسلة الغذائية، ويقترحون أن التغيير الأساسي كان اختفاء الحيوانات الكبيرة مثل الماموث. في الوقت نفسه تقريبا، بدأ البشر تطوير تقنية سمحت لهم باستهلاك عدد أكبر من النباتات، مثل الأدوات الحجرية لمعالجة الحبوب.

ووفقا لبن دور، فإنه حتى لو كنا في يوم من الأيام حيوانات مفترسة ذات وجبات مثقلة باللحوم، فإن هذا لا يعني أن البشر المعاصرين يجب أن يصعدوا إلى أعلى السلم الغذائي.