نفايات الفضاء تهدد الاقتصاد العالمي

نفايات الفضاء تهدد الاقتصاد العالمي

700 مليار دولار من الأقمار الاصطناعية في خطر
 21/03/2021

الاقتصادية : منذ خمسينيات القرن الماضي، أطلقت البشرية مئات الصواريخ إلى الفضاء وأرسلت آلاف الأقمار الاصطناعية إلى المدار الخارجي للأرض، بعضها فشل وبعضها تقادم وخرج عن نطاق العمل وبات نسيا منسيا، وبقي هناك في المدار ولم يعد إلى الأرض.

ومع تزايد أعداد تلك النفايات أو الخردة الفضائية، بات عالم الفضاء يواجه أخطارا متزايدة من إمكانية تصادم تلك النفايات الفضائية بعضها بعضا ومع الأقمار الاصطناعية النشطة، مما قد يسبب ذلك كوارث تمتد من فقدان الإنسانية للقدرة على التنبؤ بالطقس إلى عالم الاتصالات وكوارث أخرى تمتد من التأثير السلبي في القدرة العسكرية والأمن القومي إلى البنية التحتية للفضاء ذاته.

وحول حجم هذا الحطام الفضائي ومخاطره يقول الدكتور كريك تايرنج من وكالة الفضاء البريطانية، "لا يوجد تقدير قاطع لحجم الحطام الفضائي، لكن بعض التقديرات وأكثرها رصانة تشير إلى 9000 طن من النفايات الفضائية أي ما يعادل وزن 750 حافلة مدرسية، ولا يمكن الاستهانة بهذا الكم من النفايات الفضائية إذا أراد الإنسان مواصلة إطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية والأقمار الاصطناعية لاستكشاف الكون وتسهيل حياته على الأرض أيضا".

ويضيف، "هذ الحطام يتكون من أجزاء من الأقمار الاصطناعية القديمة، إضافة إلى أقمار اصطناعية كاملة وأجسام صاروخية، وبعضها يشكل مخاطر على المحطة الفضائية الدولية ويهدد الأشياء التي نأخذها كأمر مسلم به على الأرض، مثل التنبؤ بالطقس ونظام تحديد المواقع العالمية والاتصالات السلكية واللاسلكية".

تشير بعض الدراسات إلى أنه يوجد حاليا 2000 قمر اصطناعي نشط يدور حول الأرض في الوقت الحالي، وهناك أيضا 3000 قمر اصطناعي عاطل عن العمل ومتناثر في الفضاء، علاوة على ذلك هناك نحو 34 ألف قطعة فضائية بحجم أكبر من عشرة سنتيمترات وملايين القطع الأصغر التي يمكن أن تكون كارثية إذا اصطدمت بشيء آخر.

هذا، وقد حذر عدد من علماء الفضاء من الاستهانة بخطورة تلك المشكلة، فالبشرية تفقد ما يراوح بين ثلاثة أو أربعة أقمار اصطناعية سنويا بسبب تصادم الحطام الفضائي، وتقدر وكالة الفضاء والطيران الأمريكية ناسا بأنه في غضون خمسة إلى عشرة أعوام سيصبح تأثير تلك النفايات في البنية التحتية الفضائية ملموسا.

العالم الأمريكي دونالد جاي كيسلر كان أول من تناول موضوع النفايات الفضائية وتأثيرها المستقبلي، وفي عام 1978 طرح ما يعرف باسم متلازمة كيسلر، التي تشير إلى أنه إذا كان هناك كثير من النفايات الفضائية في المدار، فإنه قد ينتج عنها تفاعل متسلسل حيث يصطدم مزيد من الأجسام بعضها بعضا وينشئ خردة فضائية جديدة في هذه العملية إلى الحد الذي يصبح فيه مدار الأرض غير صالح للاستخدام.

من وجهة نظر بعض العلماء قد يبدو هذا الموقف متطرفا، لكن الوقائع تشير إلى إمكانية تحقق متلازمة كيسلر، فتزايد الاستخدام التجاري والمؤسسي للفضاء سيزيد من عدد الأقمار الاصطناعية في المدار بشكل أكبر خاصة مع إطلاق ما يعرف بـ"الأبراج الضخمة" للنطاق العريض للأقمار الاصطناعية، وهي بمنزلة بوتقة من الأقمار الاصطناعية التي تطلق معا لخفض تكلفة الإطلاق، ما يزيد من مخاطر الاصطدام ومزيد من الحطام الفضائي، فعلى سبيل المثال، في عام 2007 ضاعف التدمير المتعمد للقمر الاصطناعي "فنج ين - وان سي" كمية الحطام على ارتفاع 800 كيلومتر ما أدى إلى زيادة 30 في المائة في إجمالي الحطام في ذلك الوقت.

بدوره، يقول المهندس براين كوكس من وكالة الفضاء البريطانية، ومن أبرز المدافعين عن متلازمة كيسلر، "إذا لم يتم التخفيف من النفايات الفضائية فقد نشهد نشوب صراع حاد بين أقطاب صناعة الفضاء العالمية، بل قد يمتد الصراع ليشمل الاقتصادات الناشئة مثل الهند، فما إن يصبح (العقار الرئيس) - المدار الخارجي للأرض - مزدحما للغاية فإن عملية التشغيل لن تكون آمنة، فالمستخدمون الأوائل للفضاء، وأقصد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، مسؤولون عن تلوث الفضاء بالنفايات، وإذا لم يتم تنظيف الفضاء فسنشهد منافسة حادة على الأماكن الشاغرة".

ويصبح السؤال ما التداعيات والتكلفة الاقتصادية لهذا الركام من النفايات الفضائية على صناعة الفضاء والاقتصاد العالمي؟

الدكتورة مولي سي دين أستاذة اقتصادات المستقبل في جامعة مانشستر تعلق لـ"الاقتصادية" قائلة، "إن حماية الأقمار الاصطناعية من الاصطدام بالحطام الفضائي أمر مكلف، لأننا سنكون في حاجة إلى تصاميم خاصة ومراقبة أكثر دقة وفريق تشغيل أكبر لنقل الأقمار الاصطناعية بعيدا عن مصادر الخطر، وأحيانا استبدال تام لمهام تلك الأقمار، تلك التكلفة تصل إلى ما يراوح بين 5 - 10 في المائة من إجمالي تكاليف المهمة، وفي بعض المدارات المنخفضة ستتجاوز التكلفة تلك النسبة".

لكنها تضيف، "تكلفة التقاعس عن حماية الأقمار الاصطناعية ستكون أكبر كثيرا، إذ يمكن أن نفقد القدرة على التنبؤ بالطقس ورصد المناخ وفقدان الاتصالات الفضائية، بل الإنترنت، وهذا سيكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية ضخمة خاصة في عديد من الدول والمناطق الريفية ذات البنية التحتية المحدودة، التي تعتمد على البنية التحتية الفضائية لإمدادها بالمعلومات التي تساعد على الزراعة ومواجهة أسراب الجراد في إفريقيا على سبيل المثال، بل سيكون الأمر أكثر خطورة في دول متقدمة مثل أستراليا التي تدار عمليا من الفضاء، لأنه نتيجة مساحتها الشاسعة قد يكون من شبه المستحيل إقامة بنية تحتية أرضية قادرة على تغطية المناطق النائية".

وتقترح الدكتورة تريسي ميلر أستاذة النظم الضريبية في جامعة كامبريديج، فرض ضريبة عالمية أو التوصل إلى اتفاقية دولية لفرض رسوم على المشغلين. وتكون الرسوم للاستخدام المداري لكل قمر اصطناعي يتم وضعه في المدار وتفرض على الدول التي تقوم بإطلاق أقمار اصطناعية أو مركبات فضائية أو صواريخ خارج المدار على أن تستخدم عوائد تلك الضريبة أو الرسوم لتنظيف الفوضى الفضائية الراهنة.
وتؤكد لـ"الاقتصادية" أن مشكلة النفايات الفضائية تبدو نموذجا كلاسيكيا لما يعرف في علم الاقتصاد بـ"مأساة المشاعات"، حيث يستفيد عديد من الأفراد من مورد جماعي، لكن لا أحد لديه حافز لتحمل تكلفة الحفاظ عليه، إذ إنه في النهاية سيعاني الجميع.

وتضيف، "تلك الضريبة ستحد من نمو النفايات الفضائية بتقليل عملية الإطلاق وتوفير المال لإزالة الحطام، كما أن رسوم الاستخدام المداري ستزيد من القيمة طويلة المدى لصناعة الفضاء، من خلال الحد من مخاطر اصطدام الأقمار الاصطناعية والحطام، حيث تكون رسوم سنوية متزايدة بحد أقصى 235 ألف دولار لكل قمر اصطناعي وتضاعف قيمة الأقمار الاصطناعية بمقدار أربعة أضعاف بحلول عام 2040، آخذا في الحسبان أنه يتم إطلاق ما لا يقل عن 100 قمر اصطناعي كل عام، ويمكن أن يصل عمر كل منها من عشرة إلى 15 عاما".

وعلى الرغم من أن بعض الخبراء يحذرون من التأثير السلبي لتلك الضريبة في صناعة الفضاء، إذ تؤدي إلى رفع تكلفة العمليات الفضائية وستكون أكثر تأثيرا في مستقبل تلك الصناعة في الاقتصادات الناشئة، مقارنة في الدول الأكثر خبرة وتقدما في صناعة الفضاء، إلا أن البعض يعدها حلا ضروريا لإنقاذ ما قيمته نحو 700 مليار دولار من الأقمار الاصطناعية التي تحلق في مدارات مختلفة وتمثل البنية التحتية الفضائية، التي تبلغ إيراداتها السنوية نحو 80 مليار دولار.

يشار إلى أن الحطام الفضائي المتزايد يعد من أكبر المخاطر على جميع المركبات الفضائية، وعلى وجه الخصوص، على محطة الفضاء الدولية، والمكوكات الفضائية وغيرها من المركبات الفضائية التي تحمل البشر.

كما يشمل الحطام الفضائي كلا من الجزيئات الطبيعية (النيزك) والجسيمات الاصطناعية (من صنع الإنسان) ويشار إلى هذا الأخير باسم الحطام المداري.
الحطام المداري هو أي جسم من صنع الإنسان يوجد في المدار حول الأرض ولم يعد يخدم وظيفة مفيدة، ويشمل هذا الحطام المركبات الفضائية غير المأهولة، ومخلفات مركبات الإطلاق وغيرها من المخلفات.
وبحسب "ناسا" هناك أكثر من 20 ألف قطعة من الحطام تدور حول الأرض، بسرعات تصل إلى 17500 ميل في الساعة، وهناك 500 ألف قطعة من الحطام بحجم "الحجارة الكبيرة" أو أكبر، إضافة لملايين القطع من الحطام التي لا يمكن تتبعها.

يذكر أنه في عام 2025 من المفترض أن تطلق وكالة الفضاء الأوروبية أول مهمة فضائية لإزالة الأنقاض من مدار الأرض، إلا أن هذه المهمة ستواجهها كثير من المصاعب والتحديات، إن حدثت، خصوصا مع دخول الشركات الخاصة إلى مجال العمل الفضائي، كالشركات التي تحاول إطلاق رحلات سياحية، بالرغم من محاولتها التخفيف من نسب الحطام، إلا أن هذه المحاولات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، مالية وتقنية، التي من الممكن أن تزيد من تفاقم المشكلة، وتهدد عمليات الإطلاق وتزيد من مخاطر تحلق المركبات الفضائية حول الكوكب.

وتسعى "ناسا" والمهتمون بمشكلة النفايات الفضائية إلى ابتكار أجهزة تلتقط القطع التي تهدد الأقمار الاصطناعية وتنظيف الفضاء من هذه الملوثات.
وتحاول شركة «سبيس إكس» التقليل من هذه المخاوف بإضافة تقنية جديدة إلى أقمارها تمنحها القدرة على تتبع الحطام المداري وتجنبه. وتشير الشركة إلى أن مجمل مكونات الأقمار الخاصة بها جرى تصنيعها من مواد تحترق بسرعة عند إيقاف تشغيلها وعودتها إلى الغلاف الجوي، وذلك وفقا لتصاميم تتفوق على معايير السلامة الحالية.

وتمثل الأجسام التي يصنعها البشر ويرسلونها إلى الفضاء مصدر قلق دائم منذ إطلاق القمر الاصطناعي الأول «سبوتنك 1» عام 1957. وعلى أثر هذه المهمة الروسية الناجحة، بدأت قيادة دفاع الفضاء الجوي الأمريكية الشمالية في بناء قاعدة بيانات (كاتالوج الأجسام الفضائية) لجميع إطلاقات الصواريخ المعروفة والأجسام التي تصل إلى الفضاء، بما فيها الأقمار الاصطناعية والدروع الواقية وأجزاء الدفع الصاروخي.

كان العاملون في تسجيل البيانات على دراية بمعطيات أخرى تحصل في المدار، ولا سيما حوادث الاصطدام المدمرة. بعض هذه الحوادث كان متعمدا في أثناء اختبار الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية في الستينيات، وبعضها حصل خلال مراحل إطلاق الصواريخ وتحرير خزانات الوقود.

مع ازدياد أعدادها، باتت المخلفات الفضائية تهدد سلامة المركبات والأجسام الفضائية، ولا سيما محطة الفضاء الدولية. وفي آذار (مارس) 2009، جرى إخلاء المحطة إثر اقتراب جسم فضائي بصورة خطيرة منها.
وفيما قدر طول الجسم بأقل من سنتيمتر واحد، كانت له قدرة تخريبية تكفي لتهديد مستقبل المحطة الدولية التي تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار. ونتيجة لتأخر إبلاغ رواد المحطة بالجسم، لم يعد بمقدورهم المناورة حوله، ما اضطرهم إلى إخلاء المحطة، ولجوئهم إلى كبسولة الإنقاذ «سويوز»، كإجراء احترازي.

وفي العام ذاته، حصل أول اصطدام بين قمرين اصطناعيين، عندما تصادم القمر الروسي «كوسموس 2251» مع القمر الأمريكي «إيريديوم 33» على ارتفاع 800 كيلومتر فوق شمال سيبيريا، وقد أدى الاصطدام إلى تدمير القمرين، وتشكيل حطام فضائي.

وفي عام 2017، أجرت «ناسا» 21 مناورة لمنع حدوث ارتطام فضائي بمركبات غير مأهولة، أربع منها كانت لتجنب مخلفات قمر دمرته الصين عام 2007 في اختبار للصواريخ المضادة للأقمار الاصطناعية، واثنتين لتفادي الارتطام ببقايا المحطة «إيريديوم 33».

أما أسوأ الحوادث المتعلقة بدخول المخلفات الفضائية إلى المجال الجوي، فكان في تموز (يوليو) 1979، عندما اخترقت المحطة الأمريكية «سكاي لاب» المجال الجوي للأرض قبل الموعد المحدد لها، وسقطت أجزاؤها التي تزن 78 طنا على مواقع متفرقة من أستراليا.

وفي عام 2001، سقطت وحدة الحمل المساعد للقمر الاصطناعي «ستار 48»، الخاص بتحديد الموقع الشامل (جي بي إس)، على بعد 240 كيلومترا من العاصمة السعودية الرياض. وكانت هذه الوحدة قد أنجزت عملها في 1993، حيث استغرقها الأمر ثمانية أعوام، لتسقط عائدة إلى الأرض بعد مسارها المداري.

وفي آذار (مارس) 2019، انضمت الهند إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين في سباق التسلح الفضائي، بعد تدميرها لقمر اصطناعي يتبع لها بصاروخ أرضي. وعلى أثر ذلك، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية أن التجربة الهندية أنتجت 400 شظية تدور حول الأرض، وأكدت زيادة احتمال خطر اصطدام المخلفات بمحطة الفضاء الدولية 44 في المائة خلال الأيام العشرة التي تلت التجربة.